صديق الحسيني القنوجي البخاري

52

فتح البيان في مقاصد القرآن

وعن ابن مسعود قال : إن العسل شفاء من كل داء والقرآن شفاء لما في الصدور وعنه مرفوعا قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « عليكم بالشفاءين العسل والقرآن » « 1 » وقد وردت أحاديث في كون العسل شفاء ؛ منها ما أخرجه البخاري من حديث ابن عباس عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « الشفاء في ثلاثة : في شرطة محجم أو شربة عسل أو كية بنار ، وأنا أنهي أمتي عن الكي » « 2 » . وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي سعيد أن رجلا أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : يا رسول اللّه إن أخي استطلق بطنه استطلاقا ، قال اذهب فاسقه عسلا ، فذهب فسقاه ثم جاء فقال : مما زاده إلا استطلاقا ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « صدق اللّه وكذب بطن أخيك ، أذهب فاسقه عسلا » « 3 » ، فذهب فسقاه فبرأ . وقد اختلف أهل العلم هل هذا الشفاء الذي جعله اللّه في العسل عام لكل داء أو خاص ببعض الأمراض ، فقالت طائفة هو على العموم في كل حال ولكل أحد ؛ وقالت طائفة إن ذلك خاص ببعض الأمراض ولا يقتضي العموم في كل علة وفي كل إنسان ، وليس هذا بأول لفظ خصص ، فالقرآن مملوء منه ، ولغة العرب يأتي فيها العام كثيرا بمعنى الخاص ، والخاص بمعنى العام . ومما يدل على هذا أن العسل نكرة في سياق الاثبات فلا يكون عاما باتفاق أهل اللسان ومحققي أهل الأصول ، وتنكيره إن أريد به التعظيم لا يدل إلا على أن فيه شفاء عظيما لمرض أو أمراض لا لكل مرض ، فإن تنكير التعظيم لا يفيد العموم . والظاهر المستفاد من التجربة ومن قوانين علم الطب أنه إذا استعمل مفردا كان دواء لأمراض خاصة ، وإن خلط مع غيره كالمعاجين ونحوها كان مع خلط به دواء لكثير من الأمراض . قلت وحديث البخاري أن أخي استطلق بطنه الحديث أوضح دليل على ما ذهبت إليه طائفة من تعميم الشفاء ، لأن قوله صلّى اللّه عليه وسلّم صدق اللّه أي أنه شفاء ، فلو كان لبعض دون بعض لم يكرر الأمر بالسقيا . وقد اعترض على هذا الحديث بعض الملحدين ومن في قلبه مرض بكونه خلاف ما أجمع عليه الأطباء من أن العسل مسهل فكيف يوصف لمن به الاسهال

--> ( 1 ) أخرجه ابن ماجة في الطب باب 7 . ( 2 ) أخرجه البخاري في الطب باب 3 ، 4 ، 15 ، ومسلم في السلام حديث 71 ، وابن ماجة في الطب باب 23 ، وأحمد في المسند 3 / 343 ، 4 / 146 . ( 3 ) أخرجه البخاري في الطب باب 24 ، ومسلم في السلام حديث 91 ، والترمذي في الطب باب 31 ، وأحمد في المسند 3 / 19 .